ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

129

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وأما قول الشارح القيصري قدّس سرّه : إنّ التنزيل أولى ثم الاستدلال بأن نزول الحكم على كتاب استعدادات الأنبياء عليهم السلام ، ولو كانت دفعة واحدة ولكن ظهورها بالفعل لا يمكن إلا على سبيل التدريج ، فخروج عن المقصود ؛ لأن المراد من المبحث كيفيّة النزول لا كيفيّة ظهور المنزّل ، فافهم ولا تنظر إلى من قال ، وانظر إلى ما قال ؛ لتكون من الرجال ولا تحرم من حقيقة صدق المقال ، وتكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . ( على قلوب ) اعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أنّ القلب عبارة عن النشأة الجامعة بين الحقائق الجسمانيّة والقوى المزاجيّة ، وبين الحقائق الروحانيّة والخصائص النفسيّة ، وهو جوهر برزخي له وجه إلى جميع الأطراف وله مقام المضاهات ، وأن يتّسع لانطباع التجلّي الذاتي الذي ضاق عنه العالم الأعلى والأسفل بما اشتملا عليه . كما ورد به الإخبار الإلهي من مشكاة النبوّة ، وهو قوله سبحانه : « ما وسعني أرضي وسمائي ويسعني قلب عبدي » « 1 » ، وأن يكون مستوي له وظاهرا بصورته ، فالقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء ، مصقولة صافية وكل قلب تجلّت فيه الحضرة الإلهيّة من حيث هي هو الياقوت الأحمر ، وهذا هو التجلّي الذاتي فذلك قلب المشاهد الكامل المكمّل العالم الذي لا أحد فوقه في تجلّ من التجليات . قال سبحانه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] ؛ لأن التقليب والتقلّب في القلب نظير التحوّل الإلهي في الصور ، فلا يقابل التحول الغير المتناهي إلا التقلّب الغير المتناهي فلا تكون معرفة الحق إلا بالقلب ، ثم يقبلها العقل القدسي من القلب كما يقبل من الفكر ، فمن لم يشهد التجليّات بقلبه ينكرها بالعقل ؛ لأنه يقيّد والأمر مطلق غير مقيد ، بل القلب بين الإصبعين يقلبها كيف يشاء العبد ، أو الحق فهو متقلّب بتقلّب التجليّات ، والتجليّات بحسب الشؤون كل يوم هو

--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 2 / 496 ) ، والقاري في المصنوع ( 1 / 164 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 431 ) .